الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

222

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الصفة الأولى : الإنفاق في السّرّاء والضّراء . والإنفاق تقدّم غير مرّة وهو الصدقة وإعطاء المال والسلاح والعدة في سبيل اللّه . والسرّاء فعلاء ، اسم لمصدر سرّه سرّا وسرورا . والضّراء كذلك من ضرّه ، أي في حالي الاتّصاف بالفرح والحزن ، وكأنّ الجمع بينهما هنا لأنّ السرّاء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن غيرهم ، والضرّاء فيها ملهاة وقلّة موجدة . فملازمة الإنفاق في هذين الحالين تدلّ على أنّ محبّة نفع الغير بالمال ، الّذي هو عزيز على النّفس ، قد صارت لهم خلقا لا يحجبهم عنه حاجب ولا ينشأ ذلك إلّا عن نفس طاهرة . الصفة الثّانية : الكاظمين الغيظ . وكظم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتّى لا يظهر عليه ، وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها ، قال المبرّد : فهو تمثيل للإمساك مع الامتلاء ، ولا شكّ أن أقوى القوى تأثيرا على النّفس القوّة الغاضبة فتشتهي إظهار آثار الغضب ، فإذا استطاع إمساك مظاهرها ، مع الامتلاء منها ، دلّ ذلك على عزيمة راسخة في النّفس ، وقهر الإرادة للشهوة ، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة . الصفة الثالثة : العفو عن النّاس فيما أساءوا به إليهم . وهي تكملة لصفة كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس لأنّ كظم الغيظ قد تعترضه ندامة فيستعدي على من غاظه بالحقّ ، فلمّا وصفوا بالعفو عمّن أساء إليهم دلّ ذلك على أنّ كظم الغيظ وصف متأصّل فيهم ، مستمرّ معهم . وإذا اجتمعت هذه الصّفات في نفس سهل ما دونها لديها . وبجماعها يجتمع كمال الإحسان ولذلك ذيل اللّه تعالى ذكرها بقوله : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ لأنه دال على تقدير أنهم بهذه الصفات محسنون واللّه يحبّ المحسنين . [ 135 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 135 ] وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) إن كان عطف فريق آخر ، فهم غير المتّقين الكاملين ، بل هم فريق من المتّقين خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا ، وإن كان عطف صفات ، فهو تفضيل آخر لحال المتّقين بأن ذكر أوّلا حال كمالهم ، وذكر بعده حال تداركهم نقائصهم . والفاحشة الفعلة المتجاوزة الحدّ في الفساد ، ولذلك جمعت في قوله تعالى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ * [ النجم : 32 ] واشتقاقها من فحش بمعنى قال قولا ذميما ، كما في قول عائشة : « لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاحشا ولا متفحّشا » ، أو فعل فعلا ذميما ،